الجصاص
38
أحكام القرآن
ولا الاعتراض به عليه . وهذا يدل على صحة قول أصحابنا في أن قول من خالف القرآن في أخبار الآحاد غير مقبول ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما جاءكم مني فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فهو عني وما خالف كتاب الله فليس عني " . فهذا عندنا فيما كان وروده من طريق الآحاد ، فأما ما ثبت من طريق التواتر فجائز تخصيص القرآن به وكذلك نسخه قوله : ( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) [ الحشر : 7 ] فما تيقنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فإنه في إيجاب الحكم بمنزلة القرآن ، فجائز تخصيص بعضه ببعض وكذلك نسخه . قوله تعالى : ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) . روي عن الحسن : ( خلقناكم ثم صورناكم ) يعني به آدم ، لأنه قال : ( ثم قلنا للملائكة ) وإنما قال ذلك بعد خلق آدم وتصويره ، وذلك كقوله تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ) [ البقرة : 63 ] أي ميثاق آبائكم ورفعنا فوقهم الطور ، نحو قوله تعالى : ( فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ) [ البقرة : 91 ] والمخاطبون بذلك في زمان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلوا الأنبياء . وقيل : ( ثم ) راجع إلى صلة المخاطبة ، كأنه قال : ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة . وحكى عن الأخفش : ( ثم ) ههنا بمعنى الواو . وذكر الزجاج أن ذلك خطأ عند النحويين . قال أبو بكر : ونظيره قوله تعالى : ( ثم الله شهيد على ما يفعلون ) [ يونس : 46 ] ومعناه : والله شهيد . قوله تعالى : ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) ، يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب بنفس وروده غير محتاج إلى قرينة في إيجاب ، لأنه علق الذم بتركه الأمر المطلق . وقيل في قوله تعالى : ( أن لا تسجد ) أن ( لا ) ههنا صلة مؤكدة . وقيل إن معناه : ما دعاك إلى أن لا تسجد وما أحوجك ؟ وقيل في السجود لآدم وجهان ، أحدهما : التكرمة لأن الله قد امتن به على عباده وذكره بالنعمة فيه ، والثاني : أنه كان قبلة لهم كالكعبة . قوله تعالى : ( فبما أغويتني ) قيل فيه : خيبتني ، كقول الشاعر : ومن يغو لا يعدم من الغي لائما يعني : من يخب . وحكى لنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال : يقال غوى الرجل يغوى غيا إذا فسد عليه أمر أو فسد هو في نفسه ، ومنه قوله تعالى : ( وعصى آدم ربه فغوى ) [ طه : 121 ] أي فسد عليه عيشه في الجنة ، قال : ويقال غوى الفصيل إذا لم يرو من لبن أمه . وقيل في ( أغويتني ) : أي حكمت بغوايتي ، كقولك أضللتني أي حكمت بضلالتي . وقيل : ( أغويتني ) أي أهلكتني . فهذه الوجوه الثلاثة محتملة في إبليس . وقوله تعالى : ( وعصى آدم ربه فغوى ) ويحتمل فساد أمره في الجنة ،